المقريزي

97

تاريخ اليهود وآثارهم في مصر

وأما القرّاءون فليس عندهم في السّنة شهر آذار سوى مرّة واحدة ، ويجعلون صوم الفوز في ثالث عشره ، وبعده إلى الخامس عشر . . وهذا أيضا محدث ، وذلك أن بختنصّر لما أجلى بني إسرائيل من بيت المقدس وخرّبه ، ساقهم جلاية إلى بلاد العراق ، وأسكنهم في مدينة « خى » الّتى يقال لها : « أصبهان » ، فلمّا ملك « أزدشير بن بابك » « 1 » ملك الفرس . . وتسمّيه اليهود : « أحشوارش » كان له وزير يسمّى « هيمون » « 2 » وكان لليهود حينئذ حبر يقال له : « مردوخاى » فبلغ أزدشير أنّ له ابنة عمّ جميلة الصّورة فتزوّجها ، وحظيت عنده ، واستدنى « مردوخاى » ابن عمّها « 3 » وقرّبه ، فحسده الوزير « هيمون » وعمل على هلاكه ، وهلاك اليهود الّذين في مملكة أزدشير ، ورتّب مع نوّاب أزدشير في سائر أعماله أن يقتلوا كلّ يهودىّ عندهم ، في يوم عيّنه لهم ، وهو الثّالث عشر من آذار ، فبلغ ذلك « مردوخاى » فأعلم ابنة عمّه بما دبّره الوزير ، وحثّها على إعمال الحيلة في تخليص قومها من الهلكة ، فأعلمت أزدشير ، بحسد الوزير « لمردوخاى » على قربه من الملك ، وإكرامه ، وما كتب به إلى العمّال من قتل اليهود ، وما زالت به تغريه على الوزير إلى أن أمر بقتله ، وقتل أهله ، وكتب / لليهود أمانا . فاتّخذ اليهود هذا اليوم من كلّ سنة عيدا ، وصاموه شكرا للّه تعالى ، وجعلوا من بعده يومين اتّخذوهما أيّام فرح ، وسرور ولهو ، ومهاداة من بعضهم لبعض . . وهم على ذلك إلى اليوم . وربّما صوّر بعضهم في هذا اليوم صورة « هيمون الوزير » وهم يسمّونه « هامان » ، فإذا صوّروه ألقوه بعد العبث به في النّار ، حتّى يحترق .

--> ( 1 ) أزدشير بن بابك بن ساسان ، أول المملكة الفارسية الساسانية بسط العدل وأحسن السيرة وتوارث بنوه الملك إلى أن ملك يزدجرد بن شهريار . ( ابن العبري . تاريخ مختصر الدول ص 47 ) . ( 2 ) انظر : ( المرجع السابق ص 52 ) . ( 3 ) يذكر ابن العبري : أن مردوخاى كان صديقا لأستير ، وهي زوجة أزدشير . ويذكر الأستاذ مراد فرج في كتابه : « القراءون والربانون » أنه كان ابن عمها .